ابن الجوزي

172

صفة الصفوة

فبكى بكاء شديدا ثم قال : رحمه اللّه وغفر له فلقد كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ، ويسد على خصمه واضح المحجّة ، ويغسل من العار وجوها مسودّة ، ويوسّع بالرأي أبوابا منسدّة . ثم انصرف . وعنه قال : رأيت الشافعي بعد وفاته بالمنام فقلت : يا أبا عبد اللّه ما صنع اللّه بك ؟ قال : أجلسني على كرسيّ من ذهب ونثر عليّ اللؤلؤ الرّطب . والسلام . ممن بعد هؤلاء من الطبقات : 221 - أبو غياث المكي مولى جعفر بن محمد أبو حازم المعلى بن سعيد البغدادي قال سمعت أبا جعفر محمد بن جرير الطبري في سنة ثلاثمائة يقول : كنت بمكة سنة أربعين ومائتين فرأيت خراسانيّا ينادي : معاشر الحاج من وجد هميانا فيه ألف دينار فرده عليّ أضعف اللّه له الثواب قال : فقام إليه شيخ من أهل مكة كبير من موالي جعفر بن محمد فقال له : يا خراسانيّ بلدنا فقير أهله شديد حاله ، أيامه معدودة ومواسمه منتظرة ، لعله يقع بيد رجل مؤمن يرغب فيما تبذله له حلالا يأخذه ويرده عليك . قال الخراساني : فكم يريد ؟ قال : العشر : مائة دينار . قال : لا أفعل ولكنا نحيله على اللّه [ عزّ وجل ] . قال : وافترقا . قال ابن جرير : فوقع لي أن الشيخ صاحب القريحة والواجد للهميان . فاتّبعته فكان كما ظننت فنزل إلى دار مستفلة ، خلقة الباب والمدخل فسمعته يقول : يا لبابة . قالت له : لبيك أبا غياث . قال : وجدت صاحب الهميان ينادي عليه مطلقا فقلت له ، قيّده بأن تجعل لواجده شيئا . فقال : كم ؟ فقلت : عشره . فقال : لا ، ولكنّا نحيله على اللّه عزّ وجل ، فأيّ شيء نعمل ولا بدّ لي من ردّه ؟ فقالت له : نقاسي الفقر معك منذ خمسين سنة ولك أربع بنات وأختان وأنا وأمي وأنت تاسع القوم ، أشبعنا واكسنا ولعل اللّه عزّ وجل يغنيك فتعطيه أو يكافئه عنك ويقضيه : فقال لها : لست أفعل ولا أحرق حشاشتي بعد ستّ وثمانين سنة . قال : ثم سكت القوم وانصرفت ، فلما أن كان من الغد على ساعات من النهار